
في اليمن لايمكن الإلمام بتداعيات الاوضاع وأسباب انسداد الحياة السياسية ، إلا إذا توافرت لدى الباحث خلفية تاريخية ولو بسيطة عن ذلك.
فحزب المؤتمر الحاكم الذي يرأسه صال و تديره قوى "ظاهرة" ديكورية ، وقوى خفية فاعلة كما كشف ذات حوار شيخ قبلي عضوا أمانته العامة لصحيفة الشارع المستقلة ، تكمن قوته في امتلاك الآتي:
*المال العام ، الاعلام الرسمي ،ومؤسستي الجيش والأمن ،و قوى تقليدية "وسطى" يقودها مشايخ صغار، ساهمت في الاستمرار بالاضافة إلى مشاكل عميقة ومعقدة في ذات الوقت وتمتد لعشرات السنوات ، منها خلفية تاريخيه وإرث اجتماعي متصارع مزمن ،و تخلف وجهل وفقر وأمية بشقيها: الابجدي والمعرفي ، وغياب قوى التوازن الواعية والمسيسة ذات المشروع الحقيقي ، مع وجود قوى تقليدية تمثل توازنا مختلا وسلبيا ، ترتد سلبيتها تلك بقدر من الضدية على النظام ، وأحيانا ترتد بالضد على إرادة الشعب وقواه السياسية المعارضة ، وبالتالي تساهم في بقاء نظام صالح ، حيث يستخدمها سلاحا لضرب القوى والحركات الوطنية المناهضة ذات المشروع التقدمي.
بالاضافة إلى بروز قوة ثالثة مشتتة الاهداف والتوجهات ظلت كامنة منذ انتصار صالح في حرب صيف 94م " الحراك جنوب اليمن" ، وبالتالي استثمر تشتته المتناقض وأهدافة المتصارعة لصالحه ، حيث عمل على تنمية التيار المنادي بالانفصال بهدف إضعاف تيار الحراك الجنوبي المتمسك بالوحدة والذي بدأ حقوقي المطلب في إطار خياري متزن ، كادت رؤيته أن تنضج ، ليمنح نظام ذاته عبر الدعم الغير مباشر تيار التجزؤ ، حق القمع والحيلولة دون التحام القوى السياسية ومكونات الشعب به.. ليحصرها في موقف ضعيف ومتردد ، لايتعدى لغة التعاطف والتخاطر عن بعد ، وأحيانا يشذ عنه قليلا إلى الضد وبقاءه دون شرعية سياسية .
آليات تداول السلطة سلميا ، عمل النظام على شكلنتها ، بحيث لاتؤدي نتاج تغييرية إيجابية ناقلة باتجاه خيار واعي للسلوك الشعبي ، بقدر ما أبقتها خاوية المضمون ، تركم سلبياتها الشكلية : سلوكا انتهازيا ، آنيا وأنانيا ، ووعيا خائفا راضخ، وثالث سلبيا يائسا من إمكانية أن تكون الانتخابات وسيلة للتغيير ، وبالتالي ضل نظام صالح ينتج ذاته عبر كل دورات انتخابية من خلال صيغ ديمقراطية وانتخابية ظاهرها دستورية ومضمونها غير شرعي، عاضد ذلك عدم وجود فاعلية لدى قوى المعارضة التي شح تواجدها في عمق الجماهير اليمنية ولم تعمل على استقطابها ، وتنمية الوعي بحقوقها الدستورية وضرورة النضال الدؤوب لانتزاعها ، وإحياء عصب الاحساس بالخوف من مصير تتجه نحوه البلاد إن ظل سلوكها الانتخابي منتجا لنظام صالح ، سواء كارهة له أو مطمئنة به..!! فخلق وعي لدى الجماهير بأن استمرار النظام ، سيفضي الى مصير كارثي بالبلاد سيجعلها تتجه صوب خيار عقلاني مهموم بالوطن .
كما أن الاليات والأطر الدستورية لتفعيل دور الناس ، وإحياء الوعي لديهم ، وتنمية لغة الرفض لسلوك وأداء النظام السياسي والاداري ، لم تستغلها المعارضة اليمنية -كهامش- بشكل جيد ، بقدر ما اكتفت بالخطاب السياسي والاعلامي الفوقي، الذي لا يخترق جدران الصالات، وقاعات المحاضرات، ليطرق أبواب البيوت والمساكن، ويمشي في الشوارع ، والحانات ، فينتقل الى وعي الناس ويتفاعلون معه ، وهو ما زاد الطين بلة –كما يقال- فدخولها في حوارات عاقرة طويلة الأمد مع نظام لم يؤدي إلى إيجاد ضمانات حقيقية للاتفاقيات الناتجة عن تلك الحورات ، بقدر ما تنكر لها وانقلب عليها كما حدث في 18أغسطس الماضي وقبله ، وقيامه بتضليل الرأي العام عبر وسائل الاعلام الرسمية والتابعة لحزبه الحاكم ، واتهام المعارضة بأنها من تسعى الى عرقلة الحوارات والالتفاف على نتائجها ، وصناعة الازمات ، إذ لو أنها كانت وجهت جزء من سلوكها الحواري العاقر معه –بحسب سياسيين- بالاتجاه صوب الشعب لأدت تلك الحورات نتائج حقيقية ملزمة له ، ولأفضت تلك الحركة إلى تهيئة ملعب سياسي ديمقراطي تنافسي حر ونزيه ، تحرسه إرادة الناس ووعيهم ، وفق قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية وضوابطها المعروفة.