![]() |
|
by Fadi Doukhan | |
Published on: Jun 29, 2008 | |
Topic: | |
Type: Opinions | |
https://www.tigweb.org/express/panorama/article.html?ContentID=20913 | |
ليست تسمية "بيت القصير" خطأ مطبعياً نشير من خلالها إلى "بيت القصيد" المنعقد كلَّ اثنين في قبو الفندق الموسوم بـ"برج الفردوس"، إنما هو مسمى مجازي دالٌّ على فحوى هذه الظاهرة المسائية (الشعرية). ولما كانت اللغة العربية لغة مجازية ، فقد أراحتنا في اختيار الدالّ المناسب على المدلول.. فما معنى "بيت القصير" هنا؟ تجمُّع أسبوعي لزمرة من البشر تعيش في القرن الواحد والعشرين، وفي أقدم مدن العالم اكتظاظاً بالسكان، يبدأ يوم هذه الزمرة بانتهائه عند غيرها، ولا نعرف سبباً لتخصيص يوم الاثنين مجتمعاً لـ "بيت القصيد" سوى أنه يوم عطلة قصَّاصي الشعر "بفتح الشين"، لكن جماعتنا امتهنوا فيه قصَّ الشعر "بكسر الشين"، وكما أن للحلاقين أنواعاً وأشكالا من القصات الدارجة والحديثة بحسب رغبة الزبون، كان لهؤلاء أيضاً أسلوبهم ومزاجهم "المبدع" في قصّ أشعارهم، فهناك قصيدة "الفيرزاتشي" والـ"رونالدو" وغيرهما من أساليب القص – وليس القرض – الحديث. ولم يقف القصُّ لدى رواد هذا المهجع عند الأشعار فحسب، بل تجاوزها إلى التنورة والبنطال، اللذين كلما تمَّ تجزيرهما وتشذيبهما بدوا أكثر تجذراً وارتباطاً بالموضة وأزياء ما بعد الحداثة. إن مقولة "يُعرَف المكان من سكانه وليس من جدرانه" تنطبق تماماً على بيت القصيد، هذه الظاهرة الثقافية – الشعرية والتي تلمُّ – فيما تلم – مختلفَ أطياف الإبداع الفني والشعري وحتى النقدي، جديرة بالتوقف عندها، دون الوقوف. فلطالما مثل الشعر خمرة مجالس الأدباء ونشوة سمَرهم ، لكن أشعار "بيت القصير" هذا ربما كانت بحاجة إلى بضع زجاجات من البيرة لتساعدنا على الوصول إلى حدّ النشوة لدى استماعنا لها، وربما استعنا بما يوازي إنتاج ولاية فيرجينيا من التبغ حرقاً في هذه الليلة الشاعرية – كما سمعت من أحدهم – حتى لتضيق ساحبات وشافطات الهواء بالحاضرين ذرعاً. ربما كلُّ ذلك الدخان وتلك القوارير "بمعنييها القديم والمحدث" لإضفاء الرومانسية واختمار معاني الشعر في القلوب والأفئدة واستيعابها، وأقول: ربما . ولما كانت الدعوة لهذا الملتقى عامة، لكم أن تتخيَّلوا المشهد الذي تمتاز به طائفة من مثقفي دمشق اليوم، والذي يطبع مكاناً تتوافد عليه مختلف الزمر الشبابية، بين شاعر وهاوٍ ومثقف ومحبٍّ للاطلاع ... إلخ. غريبٌ أمر المنظمين والقائمين على إعداد هذه الليلة، وليس الأمسية !! كيف استطاعوا دمج كلّ هذه الكوكتيلات من الشعر، والقصّ بنوعيه، والنادل، وتجاذبات الحديث، ونظرات الإعجاب المبدئي أو التجاهل الممنهج؟ ربما هناك علاقة لاسم المكان "الفندق" بما يجري داخله تحت مسميات الحداثة الشعرية والاجتماعية والنفسية أيضاً. فالمكان هو "برج الفردوس"، والفردوس هو مفقود هؤلاء الساهرين، وما القصيد والقصير إلا تطلعاً وبحثاً عن هذا الفردوس، وما النادل إلا الغلام الذي يطوف عليهم بأباريق وكأس من معين. وما ذوات التنانير والبنتاكور والـ"تي شيرت" إلا الحور العين، لكن الغريب – الجميل في الوقت ذاته، هو موقعهم في هذا البرج الفردوسي الفسيح ، فلقد اختير لهم مخدع واسع تحت سطح الأرض يبثون فيه آلامهم وشكواهم من الزمان العاثر وينفخون فيه خليط سجائرهم برائحة تعرُّقهم. بعيداً عن هذا وذاك .. لم نتقصَّد هنا سوى تبيان حالة اجتماعية – ثقافية، ووصف تجمُّع عام من تجمُّعات عاصمة الثقافة العربية. وليست هذه المقالة رفضاً للتحديث والتطوير على المستوى الفكري ومستوى التجمُّعات الثقافية، إنما نرمي من خلالها إلى إعادة النظر في هيكلية الفكر الثقافي ومبنى نشره الأمثل وتلمُّس السبل الفضلى في التأسيس للمعنى الذي يقدّم له الشعرُ أولا، قبل المبنى. أيُّ اختلافٍ هذا الذي نرى فيه خيراً، إذا كان اختلافَ توجُّهات ومناهج ؟ أيُّ لقاء هذا الذي نرى فيه أشدَّ معاني البعاد بحكم رهابنا وازدواج شخصيَّتنا الاجتماعية ؟ أيُّ منتج شعري هذا الذي ينتقي بعشوائية أدوات الشعر من مختلف تمذهباته ومدارسه، ثم يبرَّر هذا الخليط باختلاط الحياة نفسها وعشوائيَّتها ؟. عجباً كم نحمِّل الحياة تبعات سذاجتنا وشطحاتنا الفكرية، بينما هي أجمل من البؤس والمواربات والجنون الذي نقحمه فيها تحت مسمى الإبداع وجمالية الألم واللامفهوم. أليس هذا ضحكاً على أنفسنا قبل أن يكون ضحكاً على ذقون الآخرين ؟. علته الوحيدة هي إقحام "الأنا" الثقافية غصباً في "الأنا" الاجتماعية. وكلاهما بحاجة إلى بتر واع. علينا أولا أن نحاول الاعتراف بـ"مشكلة وعي" فكري ثقافي محلي، ومن ثم إيجاد أرضية تقف عليها أطياف المتنوّرين كافة، ومنها ننطلق بعيداً في ثقافتنا وحوارنا، نلتقي ونختلف، لاضير .. طالما كان بناؤنا ثقافياً عربياً يدلُّ على مكامن النفس بصدق وعفوية. وإلا نفعل فسنبقى حالمين بفردوس نظن أننا وقفنا عليها يوماً، لكنها ستبقى بيتاً للحصير تحت الأرض. « return. |